ابن تيمية
128
مجموعة الرسائل والمسائل
لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل ، ولكن لا يكون في حقه إدلاء فلا يكون في حقه هبوطاً عليه ، كما لو خرق بحبل من القطب أو من مشرق الشمس إلى مغربها ، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فإن الله قادر على ذلك كله ، ولا فرق بالنسبة إليه على هذا التقدير بين أن يخرق من جانب اليمين منا إلى جانب اليسار ، أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا ، ومن جهة رؤوسنا إلى جهة أرجلنا إذا مر الحبل بالأرض . فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه الآخر مع خرق المركز وتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض . فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه ، ولا يسمى شيء من ذلك بالنسبة إليه لا إدلاء وهبوطاً . وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا ، وما فوق رؤوسنا فوق لنا ، وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط ( 1 ) فإذا قدر أن أحد أدلى بحبل كان هباطاً على ما هناك ، لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا . والمقصود به بيان إحاطة الخالق تعالى كما بين أنه يقبض السماوات ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات ، ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث ( وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) . وهذا كله كلام على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال : وفسره بعض أهل العلم بأنه هبط على علم الله . وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل وهو أنه حال بذاته في كل مكان ، أو أن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك . والتحقيق أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن كان ثابتاً ، فإن قوله " لو
--> ( 1 ) قوله نتخيل أنه هابط - انما سمي هذا تخيلا لأن الجهات الست المذكورة أمور نسبية لا حقيقة ثابتة في نفسها